قبل أيام قليلة من 7 أكتوبر، قال مستشار الأمن القومي الأميركي إن «الشرق الأوسط كان أكثر هدوءًا مما كان عليه خلال عقدين». واليوم تبدو هذه العبارة، بحسب الكاتب تامر عجرمي، أشبه بخلاصة كاملة للوهم الأميركي بشأن المنطقة، بعدما قلب هجوم 7 أكتوبر الحسابات الإسرائيلية والأميركية والإقليمية، وأعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الدولي.
ونشر ميدل إيست مونيتور مقالًا للكاتب تامر عجرمي تناول فيه التداعيات السياسية والأمنية والنفسية لهجوم 7 أكتوبر 2023، وكيف كشف هشاشة التصورات الإسرائيلية بشأن غزة، وأعاد القضية الفلسطينية إلى مركز السياسة الدولية بعد سنوات من محاولات تهميشها.
كانت واشنطن تنظر إلى المنطقة من أعلى، فيما كانت عملية التطبيع تمضي قدمًا، وإسرائيل تشعر بالأمان، بينما بقي قطاع غزة محاصرًا لكنه، وفق التصور السائد آنذاك، «تحت السيطرة». وفي الوقت نفسه، كانت المستوطنات تلتهم الضفة الغربية تدريجيًا، بينما لم تعد فلسطين تُعامل باعتبارها جوهر الصراع، بل باعتبارها ملفًا مزعجًا يمكن إدارته بالمساعدات وتصاريح العمل والوعود الاقتصادية.
ثم جاء 7 أكتوبر.
لم يكن الهجوم مجرد عملية عسكرية، بل شكّل زلزالًا سياسيًا واستخباراتيًا ونفسيًا باغت إسرائيل والولايات المتحدة والحكومات العربية وجزءًا كبيرًا من المجتمع الدولي. فقد اعتقد الجميع تقريبًا أن غزة قبلت قواعد الحصار، وأن حماس اعتادت إدارة السلطة، وأن الفلسطينيين أنهكتهم المقاومة.
لكن شيئًا مختلفًا تمامًا كان يجري تحت ذلك السطح الهادئ.
7 أكتوبر يهز أسطورة التفوق الإسرائيلي
نفذت حماس خداعًا استراتيجيًا واسع النطاق، فيما أخفقت إسرائيل، التي طالما تفاخر أجهزتها الاستخباراتية بقدرتها على رؤية كل شيء، في إدراك ما كان يجري داخل قطاع صغير ومحاصر.
ويقول الكاتب إن هذه الحقيقة تكشف درسًا مهمًا: الغرور يعمي القوة.
نامت إسرائيل على وهم التفوق الكامل. فقبل حرب 1973، وثقت بخط بارليف، وقبل 2023، وثقت بالجدار المحيط بغزة وأنظمة الإنذار المبكر وفرقة غزة والشاباك والموساد والثقافة العسكرية. واعتقدت أن الفلسطينيين رُدعوا، وأن غزة أصبحت تحت السيطرة، وأن الدول العربية منشغلة بقضايا أخرى، وأن قطار التطبيع يمكنه أن يمضي فوق القضية الفلسطينية دون دفع أي ثمن سياسي.
حمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا الوهم أكثر من أي شخص آخر.
وقبل 7 أكتوبر بفترة قصيرة، وقف نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وعرض خريطته لما سماه «الشرق الأوسط الجديد»، وهي منطقة تقوم على التطبيع وممرات التجارة والاندماج العربي الإسرائيلي، لكن مع دفع فلسطين إلى الهامش.
كانت رسالته واضحة: تستطيع إسرائيل تطبيع علاقاتها مع الدول العربية، وتجاوز السلطة الفلسطينية في رام الله، وإدارة قطاع غزة، وتقسيم الفلسطينيين بين غزة والضفة الغربية، ومواصلة مسارها دون دفع ثمن سياسي.
ولم يكن ذلك وهمًا شخصيًا فحسب. فقد أدى بقاء نتنياهو في السلطة لفترة طويلة إلى ترسيخ أفكاره داخل النظام الإسرائيلي نفسه، من الإعلام والأوساط الأكاديمية إلى المؤسسات الأمنية وأجهزة الاستخبارات والثقافة العسكرية.
لذلك، لم يكن إخفاق 7 أكتوبر مجرد فشل استخباراتي، بل كان فشلًا سياسيًا وأيديولوجيًا أيضًا. فقد انهارت رؤية إسرائيلية اعتقدت أن القضية الفلسطينية يمكن إضعافها وتفتيتها ثم تجاهلها.
ولهذا يحاول نتنياهو اليوم تفادي المحاسبة الجادة، فيسعى إلى تحميل المسؤولية للجيش والاستخبارات العسكرية والشاباك والمعارضة واتفاق أوسلو، بل وحتى لياسر عرفات وإسحاق رابين اللذين رحلا منذ سنوات طويلة.
يريد نتنياهو أن يتحمل الجميع المسؤولية باستثناء نفسه. لكن الحقيقة، وفق عجرمي، تبدو أبسط من ذلك: الاستراتيجية السياسية التي ساعدت في صناعة هذه اللحظة كانت استراتيجيته.
لم يأتِ 7 أكتوبر من فراغ. فقد جاء بعد سنوات من حصار غزة، وحروب متكررة، وانسداد الأفق السياسي، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، والاعتداءات على المسجد الأقصى، واحتجاز آلاف الفلسطينيين، والانقسام الفلسطيني الذي عرقل أي استقرار وطني حقيقي.
كما جاء بعد سنوات قيل فيها للفلسطينيين إن «التحسن الاقتصادي» يمكن أن يحل محل الحرية.
وقد يختلف البعض حول قرار 7 أكتوبر وحساباته أو كلفته، لكن لا يمكن فصل الحدث عن قرن من الاستعمار والتهجير والاحتلال والحصار.
من كسر الردع إلى أزمة إسرائيل الأخلاقية
هز 7 أكتوبر أيضًا أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر. وستظل الصورة التي حملها الفلسطينيون والإسرائيليون لسنوات طويلة نفسية بقدر ما هي عسكرية: مقاتل فلسطيني يعتلي دبابة إسرائيلية، وجندي إسرائيلي يُسحب منها.
كسرت تلك الصورة شيئًا في الوعي الإسرائيلي، وفتحت شيئًا جديدًا في الوعي الفلسطيني. فقد قالت إن القوة ليست أبدية، وإن الجدران لا تحدد المصير، وإن إسرائيل يمكن ضربها في عمقها.
ولهذا جاء الرد الإسرائيلي بالغ القسوة.
لم تستجب إسرائيل لهجوم عسكري فحسب، بل تعاملت معه باعتباره انهيارًا لأسطورة أمنها. وحاولت إعادة بناء الردع عبر التدمير واسع النطاق، وإيصال رسالة إلى كل فلسطيني وكل عربي وكل شعب يفكر في المقاومة مفادها أن الثمن سيكون باهظًا إلى حد لا يُحتمل.
وهكذا تطورت الحرب على غزة إلى حرب طالت البشر والحجارة والأشجار والمنازل والمستشفيات والذاكرة. ولم تقتصر المواجهة على البنية العسكرية لحماس، بل استهدفت أيضًا البيئة الاجتماعية التي تحتضن المقاومة.
لكن هذا الرد كشف إسرائيل في الوقت نفسه.
لا تقتصر الأزمة الحقيقية داخل المجتمع الإسرائيلي اليوم على السياسة، بل تمتد إلى الجانب الأخلاقي. فقد اتجهت قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر نحو الانتقام وتبرير القتل الجماعي والتجويع والتدمير في غزة، وطالبت قطاعات منها بمزيد من القوة والقصف والعقاب.
وعندما يصف العالم هذه الممارسات بأنها عقاب جماعي أو تطهير عرقي أو إبادة جماعية، ترد قطاعات من المجتمع الإسرائيلي بغضب، وتصر على أنها ما زالت المجتمع الأكثر أخلاقية في العالم.
وهنا تكمن المفارقة.
تريد إسرائيل تبرير العنف واسع النطاق مع الحفاظ في الوقت نفسه على صورتها الأخلاقية. وتريد تدمير غزة مع استمرار تقديم نفسها بوصفها الضحية وحدها. كما تريد استخدام لغة الانتقام في الداخل ولغة الديمقراطية في الخارج.
لكن غزة جعلت الحفاظ على هذه الصورة أكثر صعوبة.
لعقود، قدمت إسرائيل نفسها باعتبارها جزيرة ديمقراطية في الشرق الأوسط، إلا أن غزة أظهرت وجهًا آخر: قوة استعمارية تمارس العقاب الجماعي والقتل واسع النطاق والتدمير.
ولم يكن هذا التحول في النظرة العالمية أمرًا هامشيًا.
قبل 7 أكتوبر، احتلت فلسطين موقعًا متراجعًا على الأجندة الدولية. وبعده، عادت القضية الفلسطينية إلى قلب السياسة العالمية. فلم يعد بوسع قمة دولية أو حملة انتخابية أو نقاش جامعي أو احتجاج واسع النطاق تجاهل غزة.
صحيح أن التعاطف العالمي لم يتحول بعد إلى قوة كافية لتغيير السياسات، ولا تزال الأسلحة تتدفق، ولا تزال التغطية السياسية متاحة لإسرائيل، فيما يستمر الحصار المفروض على غزة.
لكن شيئًا تغير في الوعي العالمي.
فالجيل الذي خرج للاحتجاج من أجل غزة في الجامعات الغربية قد يجد نفسه غدًا داخل البرلمانات وغرف الأخبار والمحاكم والحكومات والمؤسسات. وقد حصلت إسرائيل على دعم عسكري هائل، لكنها خسرت شيئًا أعمق: احتكار الرواية.
فلسطين تعود إلى مركز السياسة العالمية
دفع 7 أكتوبر العقيدة الأمنية الإسرائيلية أيضًا إلى أزمة عميقة. فقبل الحرب، كانت إسرائيل ترى الأمن في كل مكان، لكن بعد 7 أكتوبر أصبح مفهوم الأمن بلا حدود تقريبًا.
فأين تتوقف حدود الأمن الإسرائيلي؟
لا ينبغي لسوريا أن تعيد بناء جيشها لأن ذلك يُنظر إليه باعتباره خطرًا، ولبنان يجب أن يبقى ضعيفًا لأن حزب الله يُنظر إليه باعتباره تهديدًا، وإيران يجب كسرها لأنها تمثل خطرًا.
وبعد خطابات نتنياهو، بدأ حتى ما يسمى «المحور السني»، بما فيه تركيا والسعودية ودول أخرى، يُناقش باللغة نفسها: ماذا لو تحولت هذه الدول مستقبلًا إلى مصدر تهديد لإسرائيل؟
هذه ليست عقيدة أمنية طبيعية، بل عقيدة تقوم على الشك الدائم.
حتى الاحتجاجات الطلابية في الجامعات الأميركية باتت تُعامل لدى البعض باعتبارها تهديدًا لإسرائيل. وتُطرح قوانين وحملات ضغط وإجراءات تأديبية لأن شبابًا يهتفون لفلسطين يُنظر إليهم ليس فقط باعتبارهم منتقدين للسياسات الإسرائيلية، وإنما باعتبارهم خطرًا على صورة إسرائيل وشرعيتها ومستقبل الدعم الذي تحظى به.
ويكشف ذلك إلى أي مدى توسع مفهوم «الأمن الإسرائيلي». فلم يعد يعني حماية المواطنين الإسرائيليين داخل حدود معترف بها، بل أصبح مطالبة تمتد إلى المنطقة بأكملها، بل وإلى النقاش العام في الغرب أيضًا.
فجيش سوريا، وسياسة لبنان، وسيادة إيران، وصعود تركيا، وخيارات السعودية، وأصوات الطلاب الأميركيين، يمكن جميعها أن توضع تحت العنوان نفسه: تهديد إسرائيل.
لكن عندما يتسع مفهوم الأمن إلى هذا الحد، فإنه يتوقف عن كونه أمنًا ويتحول إلى أداة سياسية للسيطرة على الآخرين.
ومع ذلك، يرى الكاتب أن من الإنصاف الاعتراف بأن هذا الخوف لم ينشأ من فراغ. فقد تعرض المجتمع الإسرائيلي لصدمة حقيقية بعد 7 أكتوبر، إذ قُتل مدنيون وأُسر جنود، وانهار أمام الإسرائيليين وعد الدولة بحمايتهم.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم سبب رؤية كثير من الإسرائيليين للتهديدات في كل مكان ومطالبتهم بضمانات أمنية أقوى. فلا يمكن لأي مجتمع أن يمر بصدمة بهذا الحجم ثم يعود ببساطة إلى حياته الطبيعية.
لكن فهم الخوف لا يعني قبول ما يُرتكب باسمه.
قد يفسر الخوف تحول مجتمع ما إلى مزيد من الدفاعية، لكنه لا يمكن أن يبرر تحويل كل جار، وكل فلسطيني، وكل عاصمة عربية، وكل احتجاج طلابي، وكل احتمال سياسي مستقبلي إلى تهديد أمني.
فعندما يتحول الصراع النفسي إلى عقيدة، فإنه لا ينتج الأمن، بل ينتج حربًا لا تنتهي.
ولإسرائيل الحق في حماية مواطنيها، لكن للفلسطينيين أيضًا الحق في العيش بعيدًا عن الاحتلال والحصار والقصف والتهجير والإذلال. ولا يمكن أن يكون الأمن حكرًا على شعب واحد.
فإذا كان الأمن الإسرائيلي يتطلب انعدام الأمن الفلسطيني بصورة دائمة، فلن يكون ذلك طريقًا إلى السلام، بل وصفة للانفجار المقبل.
وقد بدأت المنطقة تدرك ذلك. فلم تعد إسرائيل تُرى لدى بعض الدول العربية باعتبارها شريكًا محتملًا في مواجهة إيران فحسب، بل ينظر إليها بصورة متزايدة باعتبارها قوة خطرة قد تجر المنطقة بأكملها إلى حروب لا يستطيع أحد السيطرة عليها.
وأظهرت غزة ولبنان وسوريا واليمن وإيران أن إسرائيل ليست مشروعًا للاستقرار، بل مشروعًا يستمر في إنتاج الانفجارات.
ومع ذلك، يجب الاعتراف بحجم الثمن الذي دفعه الفلسطينيون.
فقد دُمرت غزة، ودفع سكانها الثمن بدمائهم ومنازلهم وأطفالهم ومستقبلهم. ولا يمكن تحويل هذه المأساة إلى لغة انتصار سهلة أو مبسطة.
وتتمثل المأساة الأكبر في إخفاق العرب والمسلمين في بناء المظلة السياسية والإنسانية التي كان يمكن أن تخفف هذا الثمن. فلم تستطع القمم الطارئة التي جمعت عشرات الدول حتى ضمان وصول ما يكفي من الدواء والغذاء إلى غزة.
وفي الوقت الذي نقلت فيه الجسور الجوية الغربية الأسلحة إلى إسرائيل، واجهت غزة الموت شبه وحيدة.
وهذه هي الحقيقة المريرة: عندما يلتزم الفلسطينيون الصمت، يُتهمون بالتخلي عن قضيتهم. وعندما يقاومون، يُتهمون بأنهم جلبوا الكارثة على أنفسهم. وإذا قبلوا المفاوضات، يُلامون على الضعف، وإذا حملوا السلاح، يُلامون على التهور.
فماذا يُتوقع من الفلسطيني أن يفعل؟
لم يحل 7 أكتوبر القضية الفلسطينية، لكنه أنهى وهمًا رئيسيًا: وهم إمكانية تجاوز فلسطين.
لقد أبلغ العالم بأن التطبيع من دون عدالة لا يمكن أن يصنع السلام، وأظهر أن الاحتلال المريح لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، وأثبت أن شعبًا حُرم من الحرية لأكثر من قرن لن يختفي من التاريخ.
بدأ الزلزال في غزة، لكنه لم يتوقف عندها. فقد وصلت ارتداداته إلى إسرائيل والعواصم العربية والجامعات الغربية والانتخابات والنظام الدولي نفسه.
ولا يزال العالم يعيش داخل هذه الارتدادات.
ولا يتعلق السؤال الحقيقي الآن بما فعله 7 أكتوبر فحسب، بل بما سيفعله الفلسطينيون والعرب والعالم بهذه النتائج.
هل يمكن تحويل الألم الفلسطيني إلى قوة سياسية؟ وهل يمكن تحقيق وحدة فلسطينية حقيقية؟ وهل يستطيع العالم العربي استثمار التحول العالمي بدل الاكتفاء بمراقبته؟ وهل يمكن أن تتحول الحركة الدولية الداعمة لفلسطين إلى ما هو أكثر من مجرد تعاطف؟
أعاد 7 أكتوبر فلسطين إلى قلب العالم.
لكن إبقاءها هناك يحتاج إلى سياسة ووحدة ورؤية ودعم.
فالشعوب لا تنتصر بالشجاعة وحدها، ولا بالتضحيات والدماء وحدها، بل تنتصر عندما تتحول التضحيات إلى مشروع سياسي يعرف ما الذي يريده، وكيف يصل إليه.
https://www.middleeastmonitor.com/20261008-7th-october-the-earthquake-that-put-palestine-back-at-the-centre-of-the-world/

